مرتضى الزبيدي

469

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

فانتهوا » . فقد زجرهم عن ذلك وكانوا أولى خلق اللّه بالحجاج والجدال ثم أنهم رأوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وقد بعث إلى كافة أهل الملل فلم يقعد معهم في مجلس مجادلة لالزام وإفحام وتحقيق حجة ودفع سؤال وإيراد إلزام ، فما جادلهم إلا بتلاوة القرآن المنزل عليهم ولم يزد في المجادلة عليه لأن ذلك يشوّش القلوب ويستخرج منها الاشكالات والشبه ، ثم لا يقدر على محوها من قلوبهم ، وما كان يعجز عن مجادلتهم بالتقسيمات ودقائق الأقيسة وأن يعلم أصحابه كيفية الجدل والإلزام ، ولكن الأكياس وأهل الحزم لم يغتروا بهذا وقالوا : لو نجا أهل الأرض وهلكنا لم تنفعنا نجاتهم ، ولو نجونا وهلكوا لم يضرنا هلاكهم ، وليس علينا في المجادلة أكثر مما كان على الصحابة مع اليهود والنصارى وأهل الملل وما ضيعوا العمر بتحرير مجادلاتهم ، فما لنا نضيع العمر ولا نصرفه إلى ما ينفعنا في يوم فقرنا وفاقتنا ؟ ولم نخوض فيما لا نأمن على أنفسنا الخطأ في تفاصيله ؟ ثم نرى أن المبتدع ليس يترك بدعته بجدله بل يزيده التعصب والخصومة تشددا في بدعته ؟ فاشتغالي بمخاصمة نفسي ومجادلتها ومجاهدتها لتترك الدنيا للآخرة أولى ، هذا لو كنت لم أنه عن الجدل والخصومة ، فكيف وقد نهيت عنه ؟ وكيف أدعو إلى السنّة بترك السنة ؟